الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

409

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

مأكولا في بلد دون بلد ، أو ملبوسا كذلك ، وكذا في ما ليس كذلك بالفعل ولكن يكون مأكولا أو ملبوسا بالقوة ، إلى غير ذلك من الفروع الكثيرة التي أوردوها في الكتب ، ولا يقدر العامي على استنباط أحكامها ، فعلى الفقيه ملاحظة حال هذه الفروع وصدق هذين العنوانين عليها وعدمه ، فان غالب العوام غير قادرين على الدقة في هذه الأمور ، ولكن الفقيه لمزاولته هذه الفروع وأمثالها قادر على استجلاء حقيقة هذه الأمور من أعماق أذهان أهل العرف وردّها إليهم ، ولا عجب في ذلك ، فتدبّر جيدا . وكذلك لا شك أنّ مسافة القصر ثمانية فراسخ كما دلت عليه النصوص ، ولكن في صدقها على الثمانية الدورية أو المرتفع في الجو أو في أعماق الأرض غموضا يتصدى لرفعه الفقيه . وكذا يظهر من بعض الروايات كفاية المحاذاة للمواقيت وقد أفتى به الأصحاب ، ولكن وقع الكلام في أنّ المواقيت الخمسة ( مسجد الشجرة والجحفة وقرن المنازل ويلملم والعقيق ) محيطة بالحرم بحيث ينتهى كل طريق إلى أحدها ، أو ما يحاذيها ، أو لا تكون كذلك ، حتى يقع الكلام في حكم مثل هذا الشخص وأنّه هل يجب عليه الاحرام من أدنى الحل أو غيرها ؟ فهذه وإن كان من الموضوعات الخارجية ولكن إدراكها لأكثر العوام مشكل ، فعلى الفقيه بذل الجهد فيها ولو بالرجوع إلى أهل الخبرة ثم الفتوى بما تقتضيه الأدلة بعد احراز الموضوع ، إلى غير ذلك ممّا هو كثير . بقي هنا شيء : وهو أنّه هل الافتاء للفقيه من المناصب أو من الأحكام ؟ كلام شيخنا الأعظم قدّس سرّه صريح أنّه من المناصب كالقضاء والولاية ، ولازمه أن يكون موكولا إلى نصب ولي الأمر ولكن لا دليل عليه بل ظاهر الآيات مثل آية الذكر وغيرها والروايات الكثيرة مثل قوله « فللعوام أن يقلدوه » وغيرها كونه حكما ، فالجاهل في جميع الحرف والصنائع والعلوم يرجع إلى العلماء فيها من دون حاجة إلى نصبهم لهذا المنصب من طريق الحكومة ، وكذلك في أحكام الدين .